Ulter
مقالات عامّة

البدائل الآمنة والهادفة في المجال القصصيّ والروائيّ

جميلةٌ هي القصَّة، قريبةٌ من الوجدان، ومحبَّبةُ إلى النَّفس، وحين تُعرَض شخصياتها بإحكامٍ وإتقان، وتُدرس أفكارها بحكمةٍ ودقّة؛ تؤتي ثمارها بيسرٍ وسهولةٍ. لا شكَّ أنَّ لكلِّ كاتبٍ رؤيته الخاصَّة، ولكلِّ عملٍ فنّيٍّ رسالة وهدف، منها النبيل ومنها عكس ذلك، فثمَّة من يستميت لزراعة الشوك والحنظل والصبَّار، ويبثُّ السمَّ في العسل، فيكرِّس وقته، وجهده، وفكره، وإبداعه في سبيل ذلك. دعونا ندرج الروايات والقصص بأشكالها -سواء كانت مقروءة، أو مرئية، أو مسموعة- تحت بند الفنّ الترفيهي، وهو أمرٌ لستَ ملزماً بممارسته، لكنَّك تلجأ إليه لتروِّح به عن نفسك، وتطَّلع على عوالم مختلفة، فتوسِّع أفقك. على أيامنا –نحن جيل الثمانينيات والتسعينيات- كانت تلك الأعمال أمراً ثانوياً ومحدوداً. فالمقروء منها، هو ما وُجِدَ في مكتبة البيت، أو ما استطعنا استعارته من مكتبات أصدقائنا وأقربائنا، أمَّا المسموع والمرئي؛ فهو ما يصدر عن الإذاعة والتلفاز، من مسلسلات وأفلام، وهي محدودة بطبيعة الحال، وتُعرَض بحضور أفراد العائلة كافَّة. اختلف الأمر كثيراً هذه الأيام، وبات مثيراً للقلق! فلكلِّ فردٍ من أفراد العائلة جهازه الخاصّ، يقرأ ويسمع ويشاهد ما يشاء، ومتى يشاء. وفي ظلِّ هذه التطورات الحاصلة وإمكانية استعراض “كلّ” المنتجات عبر شبكة الانترنت، بتنا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن نولي فئة “اليافعين” اهتماماً كبيراً وعنايةً واسعة وحمايةً شاملةً. ومن الجدير بالملاحظة أنَّ “اليافعين” هذه الأيام ينقسمون إلى شريحتين أساسيتين: إمَّا قارئ نهم، أو يافعٌ غير مهتمٍّ بالقراءة وبالكاد يقرأ كتبه المدرسيَّة، أمَّا الشريحة المتوسِّطة بينهما، فلم تعد هي الأغلبية كما في العادة. ونتيجةً لذلك، نجد أنَّ القارئ اليافع، لن يكتفيَ بقراءة الأدب المخصص لليافعين فقط، إذ لديه نهمٌ شديدٌ للقراءة، ممَّا يجعله يتقدَّم خطوةً إلى الأمام ويبدأ بمطالعة الأعمال الأكثر تعقيداً والمقدَّمة للراشدين بطبيعة الحال. وفي هذا السياق، يتعيَّن على من يكتب ويؤلِّف منتجاتٍ أدبيَّة للـ”الراشدين”، أن يأخذ بعين الاعتبار أنَّ عمله قد يصل إلى أيدي اليافعين، وحتَّى لو لم يلم اليافع بكلِّ الأفكار والمعاني، ولم يصل إلى العمق الكامل وراء رسالة العمل، إلا أنّه ومن المهم ضمان أنَّ المنتج القصصي أو الفنّي لن يسبب أيَّ أذىً غير محسوبٍ من خلال ترويج الأفكار العقائدية المنحرفة، والتطبيع مع الانحرافات بكلّ أطيافها، وإشاعة القسوة والعنف والمشاهد الخادشة للحياء. ويكمن السؤال الأهمّ: “هل نحن ملزمون بتوفير البدائل؟ ولماذا؟” يطرح الكاتب سامي فسيح في مقالته: “البديل الشرعي وضعف الانقياد..” سؤالاً مهمَّاً ومحوريَّاً: “هل يلزم الشرع الإتيان بالبدائل في أمور الترفيه؟” ويسرد بعدها جواباً منطقياً وواضحاً يغطِّي محاور عديدة: “قد تتدخل الشريعة ببديل مباح في أمور الترفيه إذا كان فيها ما يُستَنكر، إلا أنه لا يلزمها الإتيان دائما بالبدائل المسموح بها شرعاً لكون باب الترفيه من الأبواب الواسعة والمتجددة في الزمان والمكان، فهو مجال واسع للإبداع البشري لم يقيده الشرع إذا كان في إطار المباح…”، “إن الترفيه إذن من أمور الدنيا المباحة ما دامت تحترم الضوابط الشرعية، والشرع لا يقيدها إلا إذا بدا له فيها قفز إلى جهة الممنوع شرعاً، وقد قال رسول الله ﷺ في قصَّة تأبير النخل أنتم أعلم بأمور دنياكم، وما أحلى الترفيه إذا كان يخدم قضايا الأمة الإسلامية، وينطلق من ثوابتها وأصولها باعتبارها ركائز يبنى عليها الترفيه.” [1] أوافقه الرأي، فنحن لا نتحدَّث هنا عن بديلٍ لسدِّ الجانب الترفيهي فقط، إنَّما بغرض الاستفادة من تلك الأداة، لإعادة التطبيع مع الأفكار والمبادئ والقواعد السليمة، ووسيلة لعرض واقعٍ حيِّ وعمليٍّ للقيم والمفاهيم النظرية التي نسعى إلى نشرها. فنحن –على سبيل المثال- بحاجةٍ إلى إحياء صور أكثر نُبلاً وانضباطاً واحتراماً للعلاقة بين الرجل والمرأة، بهدفها، وشكلها، ومضمونها، وحدودها، إذ إنّ التشويه الحاصل في السنوات الأخيرة وصل إلى مرحلةٍ غير مقبولةٍ بتاتاً، ونتيجةً لذلك، علينا أن نهدم أولاً ما تمّ تطبيعه في أذهان الجيل الجديد ومن ثمَّ نعيد بناء صورة معتدلة وطبيعية، لعلَّنا نساعدهم على إيجاد إجابات لأسئلةٍ كـ: لماذا نتزوج؟ لماذا علينا أن نكوِّن أسرة؟ هل المرأة مسؤولة عن خدمة الرجل؟ هل يحقُّ للرجل أن يدير شؤون الأسرة؟ هل؟ هل؟ هل…. تلك الأسئلة التي غدت كمعضلاتٍ غير قابلة للحلِّ نتيجة التشويش والتشويه المتعمَّد من قبل الحركات النسوية، و”شريعة” التنمية البشرية التي تؤكِّد مبدأ الفردانية، وعدم ضرورة الإصلاح الذاتي، وتؤصِّله بشعاراتٍ ما أُريد بها إلا الباطل: لا تخض أي تجربة قد تزعجك! لا تجبر نفسك على التغيير للأفضل! كن كما أنتَ بمساوئك ولا تستمع للآخرين! البدائل المتاحة إذا بحثنا في الأعمال المطروحة على أنَّها بدائل سنجد أنَّ أغلبها يتمركز حول المحورين التاليين: التاريخي أو الديني، وبالتأكيد فإنَّ ثمة إشكالية كبيرة في الاقتصار على هذين المحوريين فقط! فالأعمال التاريخيَّة، الحقيقة منها والخيالية، هي أعمال جيِّدة وتحمل في طيَّاتها كثيراً من العبر والصور المُشرقة، لها فوائدها في توضيح المفاهيم والأصول الأساسيَّة بعيداً عن تعقيدات المجتمع الحديث، كما لا يمكن إنكار دورها في تعزيز الانتماء والفخر، لكن ورغم ذلك لا يمكن اعتبارها بديلاً متكاملاً، فهي تطرح المُشكلات بقالبٍ قديمٍ، حتَّى لو أُسقِطَت واستُمدَّت من الواقع الحالي، إذ تبقى أدوات الحلّ وثقافة الشخصيَّات، وأنماط تفكيرها، متناسبة مع حقبةٍ قديمةٍ، ومجدَّداً يجد القارئ نفسه بعيداً عن الشخصيات، وليس قريباً إليهم بما يكفي لاتِّخاذهم نموذجاً متكاملاً يعبِّر عنه أو يمثِّله. أمّا عن الأعمال الدينية، فالتصنيف بحدِّ ذاته غير مفهومٍ بالنسبة لي، إذ لا وجود له على أرض الواقع! كيف يكون العمل دينياً؟! قد تُقدَّم قصَّة قصيرة للأطفال الصغار تحكي عن فضل الأمانة، والصدق، والإيثار، والأخلاق الحميدة كافَّة، وتأخذ انطباعاً دينياً عامَّاً، فتظهر الأمُّ في القصَّة محجَّبةً طوال الوقت، وذات خُلقٍ وحكمةٍ، لغتها لطيفة للغاية ومفرداتها منتقاة بعناية، ونجدها تكرِّر: زوجي الصالح، ابني العزيز، وما إلى ذلك، لسانها يلهج بالذكر والدعاء، وابتسامتها لا تفارق شفتيها، أمَّا الأب، فما إن يصل إلى المنزل، حتَّى ينغمس ويعاون أهل البيت فيما هم فيه، بابتسامةٍ ورضا وصفاءٍ ونقاء… أجد أنَّ بناء شخصياتٍ كتلك في قصَّةٍ قصيرةٍ موجَّهةٍ للأطفال هو طرحٌ مقبولٌ نسبياً، لكن في الأعمال التي تستهدف الشريحة الأكبر سناً، يصبح الأمر شائكاً بعض الشيء، إذ لا يمكننا تقديم شخصية كاملة متكاملة، لا تخطئ، وإلا سنقع في فخ الشخصيّة المثالية، والتي سنتطرَّق إليها لاحقاً. ومع هذا وذاك، ورغم أنَّ الساحة الأدبية والفنيّة لا تخلو من الأعمال البديلة ضمن التصنيفات الاجتماعية والعاطفية والدراما، إلا إنَّ نسبتها ضئيلة مقارنةً مع الحاجة الكبيرة والملحّة. نقاط الضعف والأخطاء المتكرِّرة في البدائل المتاحة في التصنيفات الاجتماعية دعونا في البداية نتفق على الأمور التالية، وهي أنَّ القارئ: ذكيُّ للغاية. يملُّ من الرسائل المباشرة. يقرأ الرواية بدافع الاستمتاع في المقام الأول، ومن ثمَّ تلقي الحكم والعبر، وفي كلِّ الأحوال هو لا يقرأ الرواية بهدف نهل العلم والمعرفة. لديه خبرة جيدة في تحليل الشخصيات والحبكات والأحداث. يكشف الثغرات والمشكلات في الأحداث والسرد. بناءً على ذلك، هناك مجموعة من الأخطاء المتكرِّرة في عرض