مراجعات أدبية

Min_Almaa
مراجعات أدبية

مراجعة رواية “من الماء” للكاتبة مُزنة كمال

الرواية لا تُقرأ فقط، بل تُشاهد وتُسمع أيضًا! وبينما كنتُ أُقلّب صفحات رواية “من الماء” للكاتبة والأديبة الراقية “مزنة كمال”، سمعتُ خرير الماء… تارةً يقطر برقة، وتارةً يجري باضطراب.. تارةً ينساب بهدوء، وتارةً يتدفّق بغزارة.. تأخذنا هذه المرّة سلسلة “نقصّ عليك” إلى المغرب العربي، وتحديدًا إلى مدينة فاس، تلك المدينة التي لطالما قرأنا عنها في كتب الجغرافيا أيام المدرسة، وها نحن في الرواية نرى بعض معالمها بتفاصيل دقيقة وواضحة. ومع مشهد العصفور النشيط، والحرّ الطليق، تُستهلّ الرواية التي تحكي لنا عن قصة “إبراهيم”، الفتى اليافع، الذي يرى نفسه أسيرًا للمواقيت، ومقيّدًا بمواعيد جدوله اليومي. تدور الفكرة الأساسية للرواية حول ضرورة تنمية حبّ الاستكشاف لدى اليافعين، كما تعرض أهمية تنظيم الوقت، وتحثّ على ممارسة الرياضة والعناية بالصحة البدنية، وتسلّط الضوء على تأثير الذكريات في الإنسان؛ فالمواقف البسيطة، العفوية، الصادقة، والنابعة من القلب، هي التي تنغرس في الوجدان، وتبقى عالقة في الذاكرة. ومع طعم شاي النعناع المغربي، تصحبنا مزنة إلى معلمٍ فريد في قلب مدينة فاس، إلى المدرسة البوعنانية؛ هناك، حيث تمتزج روعة النقوش الإسلامية بهيبة العلم، وتتناثر بين جدرانها أصداء التاريخ، وهمسات طلابٍ مضوا، وبقيت آثارهم تنبض في المكان. “يموت الناس ويبقى الحجر.” ورغم أنّ الرواية موجّهة لليافعين، فإنني أرى أنّ الكبار بحاجةٍ إلى الاطلاع على هذا النوع من الأدب، لا سيّما الآباء والأمهات، ليلتقطوا منها الإشارات المنثورة بين السطور، فيسمعوا من الفتى اليافع كيف يفكّر، ما يحبّ وما يكره، ما الذي يعلق في ذهنه من ذكريات الطفولة، ما الكلمات التي تشجّعه، وأيّها تُثبط عزيمته، وما المواقف التي تدعمه أو تشعره بالخذلان. “ومن يومها، لم أجد من يشجّعني في نزالاتي، أو يهتف لي إن ربحت، أو يربت على كتفي إن خسرت.”   ” كنتُ واثقًا من أنّك ستفعلها.” لم تقتصر الرواية على المحتوى الجميل فحسب، بل جاء التحرير مميزًا وجذّابًا، وتكاملت معه الرسومات، لتمنح القارئ متعةً بصرية تُكمل روعة السرد. ومن الجميل بالذِّكر، أنّ الكاتبة أبدعت في توظيف صفات وتشبيهات الماء في الرواية، فنسجتها بأسلوبٍ فنيّ ينساب بفطنةٍ وجمال، كما ينساب الماء في مجراه الطبيعي دون تكلّف. “صمتَ قليلًا، تاركًا إيّاي أغوص في بركةٍ من دهشةٍ وحنين.”   “وشعرتُ بأنّ ماء الأعين قد غسل كلّ ما علق في النفوس من مشاعر سلبية، في نفسي وفي نفس والدي.” رواية “من الماء” هي عمل لطيف ومنعش للروح، يرسخ مفاهيم واعية وغنيّة في أذهان اليافعين، حول كيفية تفاعلهم مع الزمن، والعلم، والتجارب والأحداث الماضية. فأيامنا كقطرات، تنساب واحدةً تلو الأخرى، وكلّ قطرة تمضي، وتحمل معها ذكرى خاصة بها: عِبرة، عَبرة… ضحكة، دمعة… حلمٌ جميل، وومضة أمل… نبضة قلب، وغصّة ألم… وكلّ تجربة تستحق التأمّل، التقدير، والامتنان، حتى تلك القاسية منها؛ فالحياة مدٌّ وجزرٌ، لا تستقر على حال، وعلينا أن نستمرّ في السعي، كي نجعلها نهرًا جاريًا بما ينفع الناس، حتّى إذا ما التفتنا خلفنا، وجدنا أنّ نهرًا قد تشكّل من كلّ ما ظننّاه عابرًا.   بقلم.. سحر خواتمي

Alshalal
مراجعات أدبية

مراجعة رواية “الشلال” للكاتب أحمد دعدوش

  أن تجعل قارئاً ينغمس في قراءة روايةٍ لا تنتمي للتصنيف الذي يفضّله، فهذه علامة إبداع. لستُ من هواة التصنيف الذي تنتمي إليه رواية “الشلال”، ومع ذلك لم أستطع إلا أن أقرأها بشغفٍ واستمتاع. بلغةٍ سلسلةٍ، وبإتقانٍ، ورويّة، يبني الكاتب شخصية “همام” بوضوحٍ منذ الصفحات الأولى، بدءاً من خيالات “همام”، مروراً بمكان عمله، وحواراته مع صديقه “كيتشي”، لنكون على استعدادٍ تامٍّ للإصغاء إلى تفاصيل رحلة بطلنا “همام” إلى قرية “كيتشي”، هناك حيث يطمح  إلى خوض تجربةٍ روحيّةٍ فريدة. أشعر أنّها تجربتي الأخيرة، إما أن أبلغ الاستنارة أو ستكون النهاية! هكذا كانت كلمات “همام” وهو مقبلٌ على تجربته الأخيرة، إذ كان لديه رغبة عارمة في الوصول إلى أعلى مستوى في عالم الأرواح، ومهارات التخاطر والتأمّل، وبسعيٍ حثيث، وتخففٍ من كلّ ما يمنع وصوله إلى تلك الرغبة، أصرّ “همام” أن يصمد أمام كلّ المصاعب التي أقحمه بها الشامان، بدءاً من تجربة الكوخ، مروراً بحفلة الآيوواسكا “المرخصّة قانونياً!” والتي أصابتنا جميعاً بالدوار والغثيان، انتهاءً بتجربة العبور، والتي رأينا فيها مع “همام” حركة البومة، وسرعة اختفائها، وسمعنا صوت الثعلب وهو يتحدّث، ووقع أقدامه في دائرة الوهم. لم تكن تلك التجارب مرضيةً لـ”همام”، الذي ذهب إليها متعباً، وعاد منها أكثر إنهاكاً، وضياعاً، وتيهاً. تمرّ أسابيع ثمّ تأتي لحظة لقاء “همام” بالدكتور “فراس”، لتأخذ بعدها الأحداث منحىً مختلفاً. “فراس” الذي تحلّى بالمواصفات الأساسية والضروريّة للمؤثّر، ألا وهي: العلم، والحكمة، والرحمة، والصبر، والتواضع. ومع توطد علاقة الصديقين، دمج الكاتب أفكاراً عديدة مع بعضها البعض ببراعة، ولم يقتصر على موضوع الرواية الأساسي، فتطرّق إلى القضية الفلسطينية، وتناقض مفهوم الإله في العقد القديم، كما وظّف زيارة معلّم حقيقيّ “متحف آغا خان” في سياق الأحداث بطريقة سلسلة لترسيخ وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن عالم الأرواح، والشياطين، وتوضيح أصل المذاهب الصوفية. تمرّ الأيام، ويتعلّق “همام” بالمسجد أكثر وأكثر، ويعبّر عن ذلك بسؤالٍ دافئٍ للغاية: ما الذي فعلتَه بي يا مسجد؟! يتعلّم، ويدرس، ويقرأ، ويجتهد -رغم تدهور حالته الصحيّة- إلى أن يصبح مستعدّاً للإيمان، ليأتي مشهد إسلامه مؤثّراً وحسناً للغاية. وما إن يطمئن قلبه بالإيمان، وتسكن روحه بالقرآن، وينجو ويتخلّص من درك وأوهام الشيطان، حتّى نقترب من النهاية: “الثالث والعشرين من شهر نوفمبر”، النهاية الظاهرية فقط، فيودّع الدكتور “فراس” صديقه “همام”، ليلتقيه بعد ذلك في حلمٍ جميل، هناك حيث تلتقي الأرواح بإذن ربّها.   الرواية مليئة بالمعاني الجميلة، وتتميّز بنقاط قوة عديدة ومهارة في سرد الأحداث، لعلّ أبرزها:   أمّا عن الحبكات: وعلى الرغم من تصريح “همام” ذاته بعدم اهتمامه بالأنمي، إلا أنّي لم أستطع منع نفسي من رسم شخصيته، وبالمناسبة، أهو “همّامٌ” أم “هُمام”؟ أظنّه الأخير والله أعلم. بكلّ الأحوال، وأيّاً كان اسمه، فقد كان شجاعاً، ومقداماً، ونبيلاً وعظيم الهمَّة، واجه مخاوفه، وأوهامه بشجاعة، ليعطي درساً لكلّ واحدٍ منّا، بأن يتخلّى عن أي شلالٍ وهميّ يلتجئ إليه، ويجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين، لا شريك له.     بقلم وريشة.. سحر خواتمي      

Waalamat
مراجعات أدبية

مراجعة رواية “وَعَلاماتٍ” للكاتبة مزنة كمال

العلاماتُ رسائل تأتينا بتوقيتٍ لا نتوقعه. قد نقرأ جملةً في دفترٍ لا نعرف صاحبه، أو نسمع نصيحةً لم تكن موجّهةً إلينا بالأساس، أو نتعثّر بشخصٍ غنيٍّ بنفعه لم نلقِ له بالاً! بسلاسةٍ وبلغةٍ جميلة تقدّم لنا الكاتبة الشخصيّة الأساسية في الرواية وهي الفتاة “مريم” ذات الأربعة عشر عاماً، فتبني لنا تصوّراً واضحاً لعائلتها ومدرستها ومحيطها، لتنقلنا بعدها وبإسلوبٍ شائق إلى الغرفة التي كان يجمع فيها والد “مريم” بضاعته التي يبيعها في بسطته، هناك حيث ستبدأ المغامرة! إذ عثرت “مريم” على قطعةٍ معدنيةٍ لفتت انتباهها، وحين رآها والدها قدّر بأنّ هذه القطعة إنّما هي جزءٌ من آلةٍ قديمة، وقرر البحث مع “مريم” عن باقي الأجزاء المفقودة، ليجد القارئ نفسه مدفوعاً بفضولٍ للتفكير معهما، فيحاول قراءة النصوص المكتوبة بحروفٍ غير منقوطة، ويتأمّل الآية الكريمة بكلماتها ومدلولاتها القريبة والبعيدة، ويستنبط الحلول مع “مريم” ووالداها في رحلتيهما إلى جامعي الإشبيلي والزيتونة. لم تتمركز المشاهد في تلك الأماكن فحسب، بل أتت مشاهد المدرسة لتعرض تطور شخصية “مريم” وجوانبها الأساسية. فنرى معاناة “مريم” مع مشكلة التنمر وعجزها عن الدفاع عن نفسها أمام سخرية واستهزاء بعض الطالبات، ونسمعها وهي تتذمّر من الواجبات الصعبة التي تكلّفها بها معلمة الجغرافيا دوناً عن بقية الطالبات. تمرّ بعدها عدّة أسابيع، ومع كلّ تقدّمٍ تحرزه “مريم” في حلّ اللغز، كانت في المقابل تهتدي إلى سلامها وتتنبّه لصفاتٍ وسِماتٍ تتحلّى بها ولا تعرها انتباهاً. ففي لحظةٍ صفاء تدرك “مريم” السبب وراء تمييز المعلمة لها وتوكيلها بمهامٍ ضخمة، فتقرّ “مريم” بسعادةٍ قائلةً: “أنا أمتلك موهبةً في تحديد الاتجاهات”. كما تأتي مبادرة “مريم” لإصلاح بسطة والدها علامةً على تصالحها مع مهنته كبائعٍ متجوّل. وبعد سلسلةٍ من الأحداث، تنجح “مريم” ووالدها بتجميع القطع المتفرقة وتركيبها معاً، لتتعرّف بذلك على آلة “الأسطرلاب” وتتعلّم بعضاً من خصائصها وتطبيقاتها وآلية استخدامها. تأتي الخاتمة لتسرد فيها “مريم” مشاعرها مجدداً، لكن بحالٍ معاكسةٍ لما جاءت به مقدّمتها، رغم أنّ شيئاً لن يتغير في عائلتها أو شكلها أو محيطها! إلا أنّ طريقة تفكيرها وتحلليها للأمور أخذت منحىً أكثر عمقاً ونضجاً، منحىً جعل قلبها يمتلئ بالرضا والسلام عوضاً عن السخط والكدر. الرواية سلسة وممتعة ومناسبة لليافعين، ورغم أنّ أحداثها تدور في رحاب مدينة تونس العتيقة على مدار شهرين فقط، إلا أنّها تمتدّ تاريخيّاً لألف عامٍ بين حلب وتونس، وفلكيّاً إلى ما وراء الشمس والنجوم! ولعلّ من يقرؤها سيترقّب صدور الجزء التالي من السلسلة وهو يتساءل: يا تُرى أين ستقع الأحداث؟ وفي أيّ حقبة؟ من سيكون البطل؟ هل سيبحثُ عن آلةٍ جديدة؟ أم سينقّب عن فكرةٍ قيّمة؟ أو لربما سيقابل شخصيّةً جليلة؟ من يدري؟! وحتّى ذلك الحين، ها نحن ننتظر بشوقٍ، إذ إنّها البداية فحسب. سألتها: “لكن من أين أبدأ يا خالتي؟”، فأجابتني: “ابدئي حيث البدايات دائمًا، فالبدايةُ تقود إلى أختِها، إذا عرفت البداية عرفت ما يليها”.   بقلم: سحر خواتمي  

nassej
مراجعات أدبية

مراجعة رواية “نسيج” للكاتبة مزنة كمال

لا يُوجد خطأ أبدًا، ولا مصادفة، حين ترتمي في أمواج الأقدار الإلهية لن ترى إلا خيوطًا معقَّدة متشابكة، ستغضب وتشعر بالظلم. أما حين تنتهي اللوحة، فابتَعِد قليلًا وستجد أن هذه الأقدار صنعَت لك خصيصًا أجمل لوحة، وأن خيوطها غَزلَت لروحك أروع نسيج!   بأسلوبها المتفرّد ولغتها السلسة والساحرة، أبدعت الكاتبة والأكاديمية المتخصِّصة في الأدب العباسي ،مزنة كمال، في نسج أحداث وشخصيات رواية (نسيج). مزنة التي كان لي الشرف بمعرفتها منذ عدّة سنوات، والوحيدة التي استطاعت أن تنال إعجابي وتقديري بين عشرات المدققين بمهنيّتها الممزوجة بالتواضع واللطف والأمانة ومنهجيّتها المتميّزة في التدقيق اللغوي. ومع تفاصيل أراها لأوّل مرّة في رواية عن مدينتي، حلب، تُروى معظم أحداث الرواية على لسان (سما) الفتاة الحلبية، الذكيّة، المحتمّسة للحياة، والتي يشغل بالها الكثير من التساؤلات والأفكار وإشارات التعجب والاستفهام. ورغم أنّ (سما) من عائلة شديدة التحفّظ إلا أنّها لم تستسلم بسهولة، بل حاولت ومع كلّ القيود المفروضة عليها أن تطلق العنان لنفسها بالمتاح، تستجيب لحماستها تارة، فتقترب من المناطق المحظورة وتحوم حول الحمى، لكنّها حالما تتراجع بخوفٍ وتردد، وتعيد الكرّة مراراً بأحداث وتجارب وظروف مختلفة.   العقبات في الطريق كثيرة، واحدة تُزيحها لتُكمل، والأخرى تُبقيها لتصعد   ورغم أنّي لا أوافق (سما) في كثير من الأحيان إلا أنّي لست في موضعٍ لأحكم على مدى صحّة تصرفاتها. فكيف سأدرك -وأنا لم أعايش هذا النوع من “الاستبداد”- شعور فتاة مُنعت من إتمام دراستها فقط لأنّها أنثى، أو أفهم منطق الحكم الصارم حول كلّ مشوار أو خروج لها من المنزل! تساءلت وأنا أمضي مع أحداث الرواية، لِم يسلبون الثقة والحرية من الفتاة بتلك الطريقة! فلقد استفزني كلّ استجداءٍ من (سما) لأبيها كي تخرج من المنزل، وكلّ حيلة كانت تقوم بها لتقابل (جدو نور) بهدف استعارة بعض الكتب والروايات من مكتبته. لقد كانت تلك الدقائق القليلة (وأحيانا الساعات) التي تقضيها وهي تناقش ما قرأته مع (الدكتور نور) من أجمل اللحظات التي كانت تسرقها من الحياة لتعود بعدها إلى روتينها اليوميّ المليء بالتخبّط بين شخصيات تعرفها ولا تعرفها عبر الفيسبوك، فتراها هشّة، تؤثر بها رسالة من هذا أو تعليق مبطّن من ذاك، أو حتّى إشعار إعجاب! وعلى عكس حقيقتها فقد كانت (سما) تحاول أن تظهر بمظهر القوة والسيطرة، تحاول التمرد، لكن ضمن دوائر صغيرة ومضمونة، فتتمرد على آنسة الدرس، التي استحقت بالمناسبة كلّ كلمة قيلت لها بل وأكثر! فقد كانت لسما طريقتها الخاصّة في البحث عن الله وفهمها للصلاة والالتزام في مجتمعٍ يحكم على المظاهر بشدّة ولا يغفر البتة.   انتهى رمضان، لكن ربَّ رمضان هنا لا يرحل. انتهى رمضان، والآن فقط ابتدأ العمل   تضحكنا (سما) في بعض المواقف، وبالذات حين تصف الأعراس الحلبية، والنسوة غريبات الأطوار اللواتي لا يرضيهنّ شيئاً، صلاة التراويح وتفاصيلها، ناهيك عن شغل الكبّة، والتعزيل والكثير من الأمور التي تعايشها كلّ صبية حلبيّة ولعلّ من ضمنها الخطبة والعرسان. فهي كأغلب الفتيات شغل بالها موضوع الارتباط واختيار شريك الحياة، ومع ثلاثة نماذج من الخاطبين وطالبي القرب، بدءاً بابن عمّتها سامر، مروراً برائد، وانتهاءً بشادي، نرى أنّ (سما) لم تكن ملمّةً بأولويّاتها على الدوام، ماذا تريد ولماذا! وهذا منطقيّ لشخصيّةٍ لم تخالط المجتمع بشكلٍ مهنيّ. لكن في نهاية المطاف، استطاع شادي أن يحظى بقلبها ويظفر بقبولها، لتتحدى كلّ الصعاب وتجتمع به فيكون لها سنداً وداعماً يساعدها على تحقيق أحلامها وطموحها ويشاركها شغفها في الحياة. في المقابل، تحزننا (سما) حين تصف مشاهد الحرب، والخراب، وضيق العيش في حلب خصوصا وفي سورية عموما. ورغم ذلك ظهر الجمال بين ثنايا الرواية عنوةً حين مرّت الأحداث على أماكن محببة إلى قلوبنا في حلب، فتارة تأخذنا إلى ساحة سعد الله الجابري، وتارة إلى القيصر وشهبا روز والكثير من الحدائق والشوارع والجوامع والمحال والأزقة القديمة والعبّارات.   أيتها السماء اسمعيني، أيتها الأشجار والجبال والعصافير ارفقي بحالي وواسيني. يا قلعة حلب، يا جامعها الأموي، يا شوارعها المرصوفة، وأسواقها المسقوفة، ارفقوا بحالي، احملوا جزءًا من آلامي، خذوني إليكم، ضُمُّوني بحنانكم؛ فأنا متعبة   أحببت الرواية، ولعلّ أكثر ما لامس قلبي فيها هي قصّة حبٍّ جانبيةٍ، لطيفةٍ وعاديةٍ، بمشاهد قليلة، وحواراتٍ بسيطةٍ وعفوية، ألا وهي قصّة سعيد وسلمى. لا عجب، أليس لكلّ قارئٍ عشقَه الخاص؟!     بقلم: سحر خواتمي

مراجعات أدبية

مراجعة رواية هناك عند القمّة بقلم: مزنة كمال

  “أحكم إغلاق الباب وإلا فلن تستطيع المضي” نعم يا عزيزتيّ الكاتبتين، سحر وهبة، فالأبواب المواربة تحمل الكثير من الاحتمالات، ومن المتاعب أيضاً.   ربما علينا أن نحظى بصداقة راقية كالتي حظيت بها جمان وجود معاً لنتمكن من إغلاق الأبواب جيداً، فالألم مهما كبر في الماضي، إذا أحسنا التعامل معه، سيجنبنا الكثير من الندم في الحاضر. (ووجع ساعة ولا كل ساعة).   أهنئ في البداية الكاتبتين سحر وهبة على إطلاق مشروعهما الجميل الذي شهدت بنفسي بداياته قبل أعوام عديدة، وما عانتاه خلال كل تلك السنين من جهد وصبر ومثابرة للوصول إلى ما وصلتا إليه اليوم، مع فكرة مميزة هي الأولى، بحسب معرفتي، في طرح الكتب للقارئ وسهولة الوصول إليها. مبارك لكما.   رواية (هناك عند القمة)، رواية خفيفة لطيفة، تشعرك منذ البدء أنك أمام رسام دقيق يرسم لك تفاصيل الشخصيات بحذر ومهارة وتمهل، فتبدو لك الملامح شيئا فشيئا، تقرأ المزيد ولا تكتفي، تغوص في عمق الشخصية لتجد أنها ليست مجرد كلام على ورق، بل ذات عمق إنساني كبير. إنها رواية (شخصيات)، وما يعنيه ذلك من تتبع خيوط العلاقات الإنسانية فيها، وكلما قرأت أكثر، اكتشفت أنك صرت متورطاً و مهتماً أكثر، ومنغعلا بما تقدمه الرواية ببراعة من مشاعر الفرح، والأمل، والخيبة، والغضب، والألم. تمكنت الكاتبتان من بناء الرواية على قيمنا العربية الإسلامية، وقدمتا ذلك بطريقة ذكية خفيفة موظفة لخدمة الحدث. صحيح أن الرواية بأسلويها ولغتها وأفكارها تناسب اليافعين، لكنها يمكن أن تثير فضول الراشدين أيضا لمتابعة القراءة باستمتاع وابتهاج. اقرأها مهما كان عمرك، فستجد فيها ما يلامس روحك. في رأيي فإن المجموعة الروائية تسد ثغرة في المكتبة العربية للأدب الذي يركز على العلاقات الإنسانية والعاطفية بما تأسست عليه من الجمع بين الأخلاق الإنسانية، والأدب الرفيع. ولأن الرواية ذات حس واقعي، فإن القارئ لن يخرج منها بالنهايات الوردية السعيدة التي يظل يتوقع حدوثها، فتُرضي آماله، ولكنه سيعايش أثر الصدمة والخيبة حين يحدث ما لا يتوقعه، وهي الخيبة ذاتها الحقيقية التي يعيشها الإنسان في واقعه عندما لا يكون ما يريد، ولا يحدث مما يحلم به ويتمناه. ماذا أنت فاعل؟ أنت تريد وتحلم، والحياة لا تقدم لك ما تحلم، تتحداك، تحفزك، تحطمك، فماذا أنت فاعل؟ أبارك للكاتبتين العزيزتين مرة أخرى، وأدعو لهما بالتوفيق.     بقلم: مزنة كمال

Fady_feedback
مراجعات أدبية

إطلاق روايات فيء الغمام بقلم: د.فادي عمروش

لا أؤمن عادة بدور النشر فهي تأخذ الحقوق وتترك المؤلفين متحسرين على عدم وصول نتاجهم الذي تعبوا عليه سنوات دون أن يقرؤه أحد، ليس هذا فحسب وانما لا يصلهم الا الفتات من المبيعات في سوق لا يوجد فيه مبيعات أصلاً. لقد تابعت بشغف على مر السنين جهود الكاتبتين هبة وسحر في صياغة هذه الروايات، وكنت دائماً أجيب بأن أفضل دار نشر هي تلك التي تتيح الكتب للجمهور مجاناً، بدلاً من ترك المجال للقرصنة. فلماذا لا نمنح الجمهور فرصة قراءة الروايات مجاناً ونترك الحكم له؟ وللأمانة، استجابت الكاتبتان لهذا المقترح بكل تقدير، حيث تم إتاحة الروايات مجاناً عبر الموقع الرسمي للرواية، في التعليق الأول. تأخذنا روايات “فيء الغمام” في رحلة أدبية تمزج بين الأمل والألم، حيث تجسد تجارب حياتية واقعية تعكس الصراع بين السعي لتحقيق الأحلام ومواجهة التحديات. ما يميز هذه السلسلة هو قدرتها على تقديم سبع قصص متوازية تتداخل فيها حياة الشخصيات وتتشابك، ومع ذلك تحتفظ كل رواية بقصتها الخاصة، وكأنها جزء من فسيفساء تتكشف تدريجياً لتشكل صورة معقدة وغنية عن “الوطن”، الذي يعكس واقع العديد من البلدان العربية. الكاتبتان لا تكتفيان بسرد الأحداث، بل تغمران القارئ في عمق النفس البشرية، حيث يعيش مع الشخصيات كل لحظة، يشعر بآلامها، يشاركها آمالها، ويتعاطف مع نقاط ضعفها وقوتها. الشخوص هنا ليست مجرد شخصيات خيالية، بل هي نماذج حقيقية نلتقي بها يومياً، وربما نجد فيها انعكاسات من ذواتنا. هذا البعد الواقعي يعزز من تأثير الرواية، حيث يجد القارئ نفسه متورطاً عاطفياً وفكرياً في مصائر هؤلاء الأشخاص. يضيف إلى عمق وتميز روايات “فيء الغمام” بناؤها الدقيق والمدروس، حيث كتبت بأسلوب يتسم بالإتقان والشغف الحقيقي. الروايات ليست ناضجة فقط من حيث الأفكار، بل أيضاً من حيث بناء الشخصيات والحبكة. كل كلمة وجملة وضعت بعناية، مما يجعل القراءة تجربة غنية وممتعة. “فيء الغمام” ليست مجرد سلسلة روايات عابرة، بل هي دعوة للتأمل في حياتنا، أحلامنا، والتحديات التي تواجهنا. إنها تجربة تستحق القراءة والمشاركة. وإذا كنت تبحث عن روايات تجعلك تشعر وتفكر وتتفاعل مع أحداثها وكأنها جزء من حياتك، فإن “فيء الغمام” هي الخيار الأمثل. هذه الروايات ليست مجرد كتب للقراءة، بل هي تجارب حية تنتظرك لاكتشافها. بقلم: د. فادي عمروش

مراجعات أدبية

عن سلسلة فيء الغمام بقلم: نسمة ممدوح

بداخل كل منا جمانة عليه أن يكتشفها ويحفظها، وجميعنا بحاجة لسلام يريح نفوسنا، وجود في عواطفنا، وكلنا نحلم بزينة تجمل حياتنا، وأسيد يحمينا، ومع ذلك نحن بحاجة لأن نزن كل هذا بدقة، وأن نتذكر دومًا بأن أبناء آدم يختلفون ولو تشابهوا، كلهم آدم ولكن ليس كل آدم كمثله، ولكل آدم حواؤه التي خلقت لأجله، خلقت لتكون سلامه ومسرته وجومانته وأنيسته وقمر لياليه، ولكل آدم وحواء قصتهما الخاصة التي لا تصلح إلا لهما، ولهما فقط. “فيء الغمام” هي قصة من قصص كثيرة، حياة واحدة برؤى متعددة، تحمل المعنى الحقيقي لتأثير الفراشة، ومع ذلك فهي تصور تأثير سرب من الفراشات لا فراشة واحدة، فراشة تؤثر في أخرى وتتأثر بثالثة، وفراشة تتأثر بماضيها وتؤثر في مستقبلها، حلم يعترض حلم، وحلم يلد حلم، حيوات كثيرة ومتشابكة ومتداخلة، وما يزيدها جمالًا هو واقعيتها وقربها منا. شخوص فيء الغمام طبيعيون، حقيقيون، ستجدهم من حولك، وستجدهم في نفسك، قرأت العديد من روايات فيء الغمام في مراحل مختلفة، اكتمال، قيد التطوير، مسودة، مجرد فكرة، روايات كُتِبَت على مهل بشغف حقيقي ورؤية واضحة وأفكار ناضجة، شخصيات تم تكوينها وبناءها بعناية حتى لتحسبها موجودة من حولك، تقرأ فيء الغمام فتشعر وتفكر وتنشغل وتتألم وتفرح وتأمل، فيء الغمام هي أروع عمل كُتب بأقلام شابة صادفني خلال عشر سنوات مضت، روايات لم تُكتب بارتجال، ولم تُكتب بعدد الصفحات، روايات أبت دور النشر التي تتطلع للربح فقط، روايات كُتبت اليوم لتبقى لسنوات طويلة. ستحب فيء الغمام، وستذكر شخصياتها كل يوم، ستسمي من حولك بأسمائهم، وستذكر مواقفهم وردود أفعالهم ومشاعرهم حين تتعامل مع من حولك، ستصحبك فيء الغمام في رحلة طويلة وجميلة وعميقة، ستحاكي رغبة البشر في المعرفة والتلصص المشروع على حياة أناس آخرين، لن تنتهك الحرمات ولكنك ستعرف وتشعر بالكثير. أتمنى ان تستمر روايات فيء الغمام وأن تحافظ على أجمل ما فيها: إتقان، شغف، عمق وواقعية. نسمة ممدوح

Judy
مراجعات أدبية

مراجعة رواية صاحب الظّل الطويل

رواية “صاحب الظلّ الطويل”، هي رواية صدرت عام 1912 لجين وبستر، وتدور القصة حول فتاةٍ تُدعى جيروشا أبوت –جودي كما تحبّ أن تسمّي نفسها- تربّت وعاشت في ميتمٍ إلى أن أتى ذلك اليوم، حين أُعجب أحد أوصياء الميتم بمقالٍ كتبته جودي، فقرر أن يتكفّل بها ويدعمها لاستكمال دراستها الجامعيّة. لم يطلعها الوصيّ على اسمه، واكتفى باسم جون سميث، كما لم يقابلها، إلا أنّ جودي لمحت ظلّه وهو يغادر الميتم، فاختارت أن تسمّيه: صاحب الظلّ الطويل. كان طلب السيد سميث الوحيد أن تكتب له جودي بانتظامٍ، فتخبره عن تقدّمها ويومياتها، ويطّلع بذلك على تطور مهاراتها الكتابيّة. وبالفعل تغادر جودي الميتم، وتواجه العالم للمرّة الأولى، فتحاول جاهدةً ألا تثير الشكوك حول ماضيها، الذي ارتأت أن تخفيه، فتعيش جودي تجارب جديدةً ومثيرةً، وتتوطد علاقتها مع زميلَتيها: سالي وجوليا. تبدأ جودي بعدها باكتشاف الحياة خارج السكن الجامعي على نطاقٍ أوسع. وذات يوم تقابلُ السيد جيرفس بندلتون في السكن الجامعي، والذي جاء لزيارة ابنة أخيه جوليا، تتكرر زياراته وتنشأ بين جودي وجيرفس صداقة لطيفة، ومع الوقت تدرك بأنّها تحمل لجيرفس مشاعر خاصّة، وأنّه يبادلها الشعور ذاته. مع اقتراب التخرّج، تشعر جودي بأنّ أوامر السيد سميث باتت متضاربةً مع طموحاتها ومشاعرها، وبأنّها عاجزة عن الموازنة بين ولائها للسيد سميث، ورغبتها بالاستقلال والاعتماد على نفسها ماديّاً، فتبدأ بالتذمّر، فنراها تتقلّب بين الغضب والحزن، والتمرّد والندم. الرواية غنيّة بالمشاعر الوجدانية المؤثّرة، وأتت تفاصيلها شائقة ومُبهجة بفضل روح جودي المرحة ونظرتها المتفائلة في الحياة. أمّا عن أسلوب الرسائل فقد ناسب القصّةَ، إذ عكس بدقّة شعور جودي وهي ترسل الرسالة تلو الأخرى دون أن تتلقى أيّ رد، فتمضي الأيام ويزداد فضولها وفضول القارئ معها حول معرفة: من يكون صاحب الظلّ الطويل!! تتشابك الأحداث، وبعد التخرج يعرض جيرفس الزواج على جودي فتقع في حيرةٍ من أمرها، فهي لا تقوى على مصارحته بماضيها. ماذا ستفعل؟ هل ستوافق؟ وماذا عن التفاوت الاجتماعيّ بينهما؟ تأتي الخاتمة مجيبةً على تلك الأسئلة، برسالةٍ من جودي إلى صاحب الظلّ الطويل. مقارنة بين تجربة قراءة الرّواية ومشاهدة الأنمي من المعروف أنّ تجربتَي القراءة والمشاهدة غالباً ما تنطويان على انطباعاتٍ مختلفة، سيما إن سبقت القراءةُ المشاهدة، إذ يشكّل القارئ في مخيلته الأحداث، والشخصيات، والأماكن، ثمّ وحين يشاهد الأنمي ولا تنطبق تلك الصور على الشكل الذي يقدّمه الأنمي، قد يشعر بخيبة أمل. وفي حالتي: أتت المشاهدة أولاً ومن ثمّ القراءة، فحصل الأنمي على الانطباع الأقوى، وظلّ راسخاً في مخيلتي، فبقيت جودي هي جودي التي ظهرت في الأنمي، وجيرفس هو ذاته، كذلك الأمر مع سالي وجوليا، لذا أتت الرسائل في الرواية داعمةً للانطباعات السابقة، بل وبتركيزٍ أعلى على الحالة الوجدانية لجودي. تجلّى الفارق الأساسي بين الأنمي والرواية في سرعة أحداث الرّواية، إذ كانت مبنيةً على رسائل جودي فقط، أمّا في الأنمي أتت التفاصيل أغنى وأوفر، نظراً لتواجد الحوار، والمشاهد المدعومة بالرسائل التي كانت تكتبها جودي، فنسمعها بصوتها أثناء الكتابة. مراجعة الرسالة الأخيرة في الرّواية بالرغم من أنّ رسائل جودي في الرواية كانت غنيّةً ومؤثرة وشائقة، إلا أنّ الرسالة الأخيرة جاءت باردة جدّاً، وبقالبٍ لا يتلائم مع الحالة، ولا مع لحظة الختام. برأيي المتواضع، كان بإمكان الكاتبة أن تبدع أكثر في هذه الرسالة على وجه الخصوص. وللأسف كلما عاودتُ قراءة تلك الرسالة، شعرتُ بخيبة أمل. وكما هو متوقّع، لم يهنأ لي بال إلا بعد أن أعدتُ كتابة الرسالة الأخيرة بطريقتي الخاصّة، أعلم أنّني لا أملك الحقّ لفعل ذلك، لكن قد يشفع لي شبهي بشخصيّة جودي –كما تدّعي صديقاتي- أن أتقمّص شخصيّتها ولو برسالة! بقلم: سحر خواتمي لوك ويلو السابع من أوكتوبر عزيزي يا صاحب الظلّ الطويل، يبدو الأمر غريباً، أن أراسلك مجدداً بعد الذي حدث، لكنّي أرغب بأن أودّعك بشكلٍ لائق، فكما تعلم لم يمضِ لقاؤنا الأوّل على النحو الذي رسمته في مخيلتي أبداً، لذا ارتأيتُ أن أرسل كلمات الوداع عبر رسالة، لتكون خاتمةً ملائمةً لعلاقة وصيٍّ بالفتاة التي تكفّل بها. لا أعلم لِم ظننتُ أنّي بلقائك سأقابل أباً، أباً يحتويني ويغمرني بحنانٍ كما يغمر الآباء أبناءهم، فذاك الشعور -وكما تعلم- لم أجرّبه في حياتي. اعتقدتُ أن أسمع منك كلماتٍ تقوّي بها عزيمتي، وتشعرني بأنّك لم تندم على قرار دعمك لي، فتقول لي بوقارٍ: “أحسنتِ يا ابنتي، أنا فخورٌ بك!” لكن لم يحدّث أيٌّ من ذلك! ليتلاشى بذلك المشهد الذي حلمت به، وتنهار أمامي الصورة التي تخيّلتها، فتقع كبرجٍ مرتفع، برجٍ بنيته لبنة لبنة، بتفاصيل وملامح لا تطابق الواقع بتاتاً. لكن مهلاً! إن وضع أحدنا آمالاً في أمرٍ ما، ومن ثمّ تكسّرت جميعها، هل بالضرورة أن يندرج ذلك تحت مسمّى: “خيبة الأمل”؟! أتعلم؟! حينما التقيتك البارحة، راودتني أسئلةٌ عديدة، لكنّي امتنعت عن طرحها بسبب حالتك الصحيّة، فلم أشعر بأنّ الوقت مناسب. وحتى لو التقينا مجدداً، لا أعتقد بأنّي سأطرح عليك أيّاً منها، لذا اسمح لي بأن أسردهم في رسالتي الأخيرة هذه بصدقٍ وشفافية، تماماً كما اعتدت في سنواتي السابقة، أن أسألك وأسألك دون تحفظٍ أو تردد، دون كللٍ أو ملل، ودعني أحكي لك عمّا عجزت عن قوله حين رأيتك وجهاً لوجه، لعلّ روحي تهدأ وتسكن بعض الشيء. عزيزي هلّا أجبتني، وقلت لي: أي اضطرابٍ أحدثته في عالمي؟! اشرح لي، فأنا عاجزة عن الفهم! كيف تكون حاضراً وغائباً في آنٍ معاً؟ أخبرني، قل لي أرجوك، فأنا مشوشة، وفقدت قدرتي على ربط الأحداث والكلمات  والمشاعر. كيف تكون الشخص الذي يعطي، ويغدق، ويمنح، وفي الوقت ذاته، يسلب، ويحوز دون إذنٍ أو استئذان؟! نعم، لقد سلبت قلبي، واستحوذت على مشاعري، ومع ذلك تظاهرتَ بأنّك تعطي دون مقابل، ولا تطالب سوى برسالةٍ كلّ شهر! هذا ليس عدلاً، أليس كذلك؟ ثمّ أريد أن أعرف: لماذا أتيتَ إلى السكن الجامعي في بادئ الأمر؟ هل دفعك فضولك لرؤية تلك الفتاة المختلفة عمّا اعتدت عليه؟ تلك التي ترسل رسائل عفوية ولا تكفّ عن الثرثرة، أم أنّك رغبت بالنظر عن كثب، لتتأكّد بأنّ قرارك بدعم تلك الفتاة كان صائباً، وبأنّك لا تضيّع مالك هدراً؟ أخبرني بدّقة أرجوك: متى تحوّلت مشاعرك؟ ومتى بدأت تدركها؟ قل لي وفكّر مليّاً وأجبني: من أين أتت الشرارة الأولى لذاك التحوّل: أهي رسائل جودي؟ أم جودي نفسها التي قابلتها وتعاملت معها وجهاً لوجه؟ أجبني ولا تقلق، إذ لا يوجد خيارٌ أطمح إليه أكثر من الآخر، إلا أنّني أتطلّع لمعرفة أسبابك، سيّما إن كانت مختلفة عمّا اقترحته لك. تتوالد الآن ببالي أسئلة أكثر وأكثر، وأجد نفسي عاجزةً عن ملاحقتها وتدوينها، وقلبي يخفق ويأبى أن يستقر، فتارةً أذكر لهفتي نحو معرفة من هو صاحب الظلّ الطويل، وتارةً يغشاني الألم والحزن مما أصابك من وهنٍ ومرض ومما تعانيه الآن، وتارةً أذكر لحظة لقائنا … أرأيت؟! لقد توقفت عن الكتابة لبضع دقائق، لا

Scroll to Top