قصص قصيرة

قصص قصيرة

متى ستعود؟

ارتديت معطفي الكستنائيّ، ورتّبت أغراضي، ومن ثمّ توجّهت نحو المطبخ، هناك حيث كانت والدتي منهمكةً في تحضير طعام الفطور، قالت وقد رأتني على وشك المغادرة: أومأت برأسي وتناولت قطعة صغيرةً من الجبن، ثمّ ودّعتها وانطلقت إلى عملي. وهناك مضى يومي بشكلٍ اعتياديّ، بدءًا من الاجتماعات، مروراً بوجبة الغداء السريعة، انتهاءً بتسليم الملفات والنتائج المطلوبة، ومن ثمّ حان وقت عودتي إلى المنزل. حزمت حقيبتي وخرجت من الشركة عند الساعة الخامسة مساءً، وانطلقت في طريقي. وبينما كنت أمشي رنّ هاتفي، وإذ بها رسالة قد وصلتني للتوّ، قرأتها فتسمّرت في مكاني، وبدأ العرق يتصبّب من جبيني كزخّات المطر، وتسارعت نبضات قلبي، وشعرت بصعوبةٍ بالغةٍ في التنفس، ومن ثمّ وقعت أرضاً. يا إلهي! ما هذه الرسالة! لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحال، بعدها حاولت أن أتمالك أعصابي ونهضت لأكمل طريقي، لكنّي صدمت بما رأيت، فقد اختفت الطرقات من أمامي، وبهتت الألوان شيئاً فشيئاً حتى صار كلّ ما حولي رمادّياً ومخيفاً، وبدت الجدران والمباني التي تحيط بي هلاميّةً لا عماد لها، ذعرت، ما هذا الرعب الذي يحاوطني؟! جعلت أجري كما لو أنّي في نفقٍ مظلمٍ لا نهاية له، كنتُ أرى أناساً يتحرّكون بجانبي لكنّي لم أكن قادراً على تمييز وجوههم أو ملامحهم. خطر ببالي أن أنظر إلى السماء، علّي أجد فيها ما يدلّني على الاتجاه الصحيح، رفعتُ بصري فلم أجد الشمس التي كانت هناك منذ قليل، بل رأيت قرصاً كبيراً يتوسط كبد السماء المظلمة، كما لو أنّه ثقباً أسود على وشك ابتلاعي، فما كان منّي حينها إلا أن أغمضت عينيّ وجريت بلا هدىً أو رشاد. سألت نفسي: هل أنا في حلمٍ أم حقيقة؟ وبينما أنا أجري وأجري ارتطمت بجدارٍ كبير، فتحت عينيّ فوجدتني قد وصلت إلى المنزل، رحت أبحث عن مفاتيحي لكن بلا جدوى، فقد كانت حقيبتي فارغة تماماً، قلبتها رأساً على عقب ولم أجد فيها شيئاً! ما الذي يجري؟! استجمعت ما تبقى لديّ من قوّة ودفعت باب المنزل بكتفي، فانكسر ودخلت وأنا أرتجف، نظرت حولي فوجدت الأثاث مهترئاً ومحطماً، والأغراض متناثرة على الأرض، فصرخت بأعلى صوتي: سمعت صوتها وهي تجيبني: مشيت وأنا بالكاد أجرّ نفسي، وحين وصلت إلى الغرفة وجدتها تجلس في مكانها المعتاد، تضع نظارتها على عينيها وتحيك مفرشاً صغيراً. ركضت نحوها وعانقتها، وبقيت على هذه الحال بضع دقائق، فعادت دقات قلبي إلى معدلها الطبيعيّ، واستقر كلّ شيءٍ في مكانه، فنهضت ونظرت من خلال النافذة، لأجد بأنّ الأرض قد عادت هي الأرض، والسماء هي السماء، والألوان هي الألوان. عادوت النظر إلى أمّي، فسألتني: أجبتها: أومأتْ لي بالإيجاب، فأمسكتُ هاتفي ومسحت تلك الرسالة التي وصلتني منها قبل قليل. متى ستعود؟ أنا أحتضر! يا إلهي، لقد كانت أمّي “تنتظر” فحسب. تأمّلتها بحبٍّ، ومن ثمّ حضنتها مجدداً. لا، لست من هواة أفلام الرعب، ولا أدري عن حبكاتهم وأحداثهم، لكنّي واثقٌ بأنّه لا يوجد ما هو أكثر رعباً من فكرة فقدانكِ يا أمّي.     بقلم: سحر خواتمي | نُشرت ضمن الإصدار السابع لكتاب “عابرون”  | دار عابر |  2025  

قصص قصيرة

مدرسة الجسور الآمنة

وصلتُ إلى مكتب المدير عند العاشرة صباحاً. ليست المرّة الأولى التي أنتقل فيها إلى مدرسةٍ جديدة، لكنّها المرّة الأولى التي ألتحق فيها بمدرسةٍ متميّزةٍ إلى هذا الحدّ. استقبلني المدير بلطفٍ وحفاوة، وبعدها اصطحبني إلى مكتبي، صعدنا الدرج وعندما وصلنا وجدتُ لافتةً على جانب الباب تحمل اسمي: الأستاذة هناء، الخبيرة والمرشدة الاجتماعيّة لمدرسة الجسور الآمنة. أعطاني المدير المفتاح وهو يقول: ابتسمتُ وأنا أشكره، فأكمل كلامه: ومضينا نتجوّل بين أروقة المدرسة، بينما راح المدير يشرح لي قائلاً: بعدها مررنا أمام عدّة فصولٍ دراسيّة، فأردف كلامه وهو يشير نحوها: بعدها جلسنا في غرفةٍ مجهّزةٍ بالمعدّات التقنيّة الحديثة والذكيّة، وراح المدير يشرح لي مهامي وواجباتي في المدرسة: صمتَ قليلاً ثمّ تابع كلامه: وفي اليوم التالي، وصلتُ باكراً، فرأيتُ مشهداً مذهلاً لم أعتد عليه، فالتلاميذ أغلبهم يأتون إلى المدرسة مشياً على الأقدام، أو على درّاجاتهم الهوائيّة، التي خُصّص لها موقفٌ فسيحٌ لركنها بترتيبٍ وانتظام. توجّهت إلى مكتبي، فوجدت بأنّ جهاز الحاسب قد وصل بالفعل. أمضيت عدّة ساعاتٍ إلى أن أتممت تفعيل حسابي وبريدي الإلكتروني، وحينها وصلتني رسالةٌ من المدير، أرسل فيها رابطاً لنتائج الاستفتاء الذى حدّثني عنه. أسرعت مباشرةً للاطلاع عليه. مرّت أسابيع وأنا منغمسةٌ في دراسة الاستفتاء ونتائجه إلى أن اكتمل التقرير، فأرسلت للمدير بريداً إلكترونيّاً لأعلمه بالأمر. الأستاذ حسّان المحترم، تحيّة طيّبة وبعد، أنهيت للتوّ التقرير الأوّل لمهمّتي الأولى في مدرسة “الجسور الآمنة”. استغرق تحضير التقرير شهراً كاملاً من الدراسة والتمحيص والبحث. حاولت خلال هذا الشهر التقرّب من التلاميذ والتعرف إليهم عن كثب، وبالفعل نجحت في إجراء العديد من الحوارات الغنيّة معهم، وبالذات هؤلاء الذين حصلوا على تقييمٍ سيّءٍ في مسألة التنمية المستدامة. وعلى إثر ذلك وضعت مقترحاتٍ وخطواتٍ عمليّة لتدريبهم على الفكرة وجوهرها، وستجد تلك المقترحات في الملف المرفق الذي سنناقشه في موعدنا القادم. على أيّ حال، هناك أمرٌ لفت انتباهي أودّ الإشارة إليه. ففي بعض الأحيان عندما نضع المكبرة للبحث في قضيةٍ ما، تنكشفُ لنا مشكلاتٌ لم نكن نعلم بوجودها، أو بجدّيتها على الأقل، وهذا ما حدث معي. تقتضي رسالة المدرسة تأمين مستقبلٍ زاهرٍ للأجيال القادمة، وبالفعل، خلال تواجدي في المدرسة، رأيت مظاهر وصوراً تعكس رؤية المدرسة وأهدافها، فالتلاميذ يحترمون قواعد المدرسة، لا يأكلون إلا طعاماً صحيّاً وعلى قدر حاجتهم، ولا يرمون النفايات إلا في مكانها الصحيح، لا يهدرون الموارد، ويحافظون على كلّ قطرة ماء، وشحنة كهرباء، ونسمة هواء، لكنّي في المقابل لمستُ تناقضاً غريباً ودعني أشرح لك الأمر. حضرة المدير: هل تعلم بأنّ تلاميذنا غير قادرين على تركيب جملةٍ واحدةٍ صحيحةٍ في اللغة العربية؟ حين يتحدّثون يمزجون أربع لغاتٍ بل ربما أكثر، فلا تفهم من حديثهم سوى السياق العامّ والذي يدلّ في كلّ الأحوال على أفكارٍ وتوجّهات لا تمتّ لثقافتنا ولا لمجتمعنا بصلة! اللغة يا سيدي ليست أداةً فحسب، إنّما هي ثقافةٌ وفكرٌ وأفعالٌ ومواقف وسِمات. كيف سيحمل هذا الجيل إرثنا وتاريخنا وعراقتنا وهم لا يتحدثون بلغتنا؟ ولا يفهمون منطقنا؟ ولا يستسيغون ثقافتنا؟ ولا تعجبهم طريقة تفكيرنا؟ أدركُ بأنّ لكلّ زمنٍ سمته الخاصّة، وأؤمن بمبدأ التطوير والتغيير عبر الأجيال، لكن ما يحدث في هذه الأيام هو طمسٌ لملامحنا، ومسحٌ لشيمنا، وتشويهٌ لجمالنا. هناك تعمّدٌ واضحٌ لتحويل المنطق العربيّ والدينيّ الذي نشأنا عليه وتوارثناه على مدى قرون إلى مسمّياتٍ أجنبيّة رائجة. فحتّى أخلاقنا ومناقبنا التي يتمتّعون بها يغلّفونها بمفاهيم عالميّة، ليبعدوا عنهم سبّة التخلّف. هل يعقلُ أن نصبّ كلّ اهتمامنا على جودة الطعام والشراب والهواء، ونهمل جودة التربية والأخلاق؟ وأنا هنا لا أقللّ من شأن وأهمية رسالتكم وما حقّقتموه من منجزاتٍ، على العكس تماماً، فأنا معجبةٌ أشدّ الإعجاب بمنهجية المدرسة وأدائها المتميّز، وأتمنى لو تحذو جميع المرافق التعليميّة والاجتماعيّة حذوكم، لكنّني أتساءل: كيف نبني جسراً آمناً لعبور الأجيال المقبلة، بجيلٍ لا ينتمي إلى نفسه بالأساس؟ أطلتُ عليك، فاعذرني! تحيّاتي، الآنسة هناء.   بقلم: سحر خواتمي

Moon-colors
قصص قصيرة

على محاذاة الشاطئ

في إحدى الليالي الصيفيّة، كنتُ أمشي على محاذاة الشاطئ، بدت السماء مرتصّةً بالنيازك والأجرام المتهاوية، تلمع النجوم في أرجائها كعيون المتربّصين، ويتوسطها البدر بضيائه الشاحب، الذي انعكس على ماء البحر الكدر ممّا أضفى على تلك الليلة صبابةً وكمداً. كان الطريق موحشاً وكئيباً، تتوزع على جانبيه شجيراتٌ صغيرة، تتلاطم أغصانها باضطرابٍ مع كلّ هبّة ريحٍ، وتحيط بالشجيرات أحواضٌ ضخمة تكسوها أزهارٌ ذات ألوانٍ غريبة، تفوح منها رائحةٌ واخزة، وبينما كنتُ أتحاشى النظر إليها، سمعت أزيزاً مفزعاً، فانقبض قلبي… ثمّ تنبّهت أنّه إشعارٌ لرسالةٍ قد وصلتني عبر هاتفي، فتحت الرسالة وقرأتها بتمعّنٍ، ومن ثمّ أعدت هاتفي إلى جيبي ورفعت رأسي، فوجدت السماء وقد بدت كقبّةٍ مزدانةٍ بالأحجار الكريمة، تلمع النجوم في أرجائها كاللآلئ والمرجان، ويتوسطها البدر بضيائه الناصع، الذي انعكس على ماء البحر الصافي ممّا أضفى على تلك الليلة سكينةً وطمأنينةً. كان الطريق فسيحاً وهادئاً، تتوزع على جانبيه شجيراتٌ صغيرة، تتراقص أغصانها بتناغمٍ مع كلّ نسمةٍ عليلةٍ، وتحيط بالشجيرات أحواضٌ واسعة تكسوها أزهارٌ ذات ألوانٍ فريدة، يفوح منها شذىً آخّاذ، وبينما كنت أتأمّلها بابتهاج، سمعت لحناً جميلاً، فانشرح صدري… ثمّ تنبّهت أنّه إشعارٌ لرسالةٍ قد وصلتني عبر هاتفي، فتحت الرسالة وقرأتها بتمعّنٍ، ومن ثمّ أعدت هاتفي إلى جيبي وحين رفعت رأسي، وجدت السماء مظلمةً وكالحة، لا نجوم فيها ولا قمر، اختفى الشاطئ وتلاشى الشجر. تابعت المسير برويّة وتأنٍّ، وكلّي ثقة بأنّ رسالةً جديدةً ستومض قريباً. ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي | نُشرت ضمن كتاب “حكايات البحر والشمس والشاطئ” عبر دار كُتبنا عام 2024

قصص قصيرة

ذهبتْ ولم تعد

الأربعاء 23 مايو 2012 عدتُ منذ قليل إلى المنزل بعد يومٍ شاقٍ من العمل، تناولت طعام العشاء مع والديّ وها أنا ذا في غرفتي، لا جديد لليوم، أنا متعبة للغاية، سأصلّي العشاء وأنام. الخميس 24 مايو 2012 كان اليوم ممتعاً جدّاً، قابلتُ صديقتي من أيام المدرسة، تحدّثنا طويلاً ومن ثمّ عدت إلى المنزل مشياً على الأقدام. حضّرتْ لي والدتي وجبتي المفضّلة: البطاطس المشوية. الجمعة 25 مايو 2012     السبت 26 مايو 2012 لم أكتب البارحة، دعتنا خالتي إلى زيارتها، أمضيتُ وقتاً ممتعاً، واستمتعت بملاعبة أطفالها. واليوم ذهبت للتسوق مع والدتي، وأخيراً اشتريت الحقيبة البيضاء التي أرغب بها، في طريق عودتنا مررنا على محلٍ لبيع المثلجات، كانت لذيذة للغاية. الأحد 27 مايو 2012 ذهبت اليوم إلى دوامي وأنا أحمل حقيبتي الجديدة، كنتُ أمشي كما لو أنّني فراشة، هناك في المكتب أبدت زميلاتي إعجابهنّ بها، الجميع يقول لي أنّ لي ذوقاً خاصّاً ومميّزاً في اختيار الحقائب. في طريق عودتي، لمحت أحدهم في سيارة الأجرة، كان يشبهه كثيراً، أتراه هو؟! خفق قلبي بشدّة، لم نتقابل منذ أكثر من شهر. يا ترى ماذا يفعل الآن؟ الاثنين 28 مايو 2012 يا له من يومٍ حزين! كنتُ قاسيةً مع صديقتي هدى، حدث سوء فهمٍ بيننا فغضبتْ، لم أستطع أن أتراجع عن موقفي، وعادت كلّ منّا إلى بيتها حزينة، هل عليّ أنا أتصل بها؟ أم أنتظر إلى صباح الغد؟ كيف سأغفو وأنا بهذه الحال؟! أنا أكتب الآن بعد ساعة، لقد اتصلت بهدى واعتذرت إليها، أشعر براحةٍ كبيرة. الثلاثاء 29 مايو 2012 أمضيت اليوم في المنزل، لم أذهب إلى العمل، أنا مريضة. الأربعاء 30 مايو 2012 تحسّنت حالتي، لكن مع ذلك لم أذهب إلى العمل، تعتني بي والدتي كما لو أنّني طفلة صغيرة. الخميس 31 مايو 2012 ذهبت اليوم إلى الدوام، أخيراً! أنا مدعوة إلى حفل زفاف قريبتنا، سأذهب إلى مصففة الشعر بعد قليل، أشعر بحماسٍ شديد، أحبّ الحفلات. الجمعة 1 يونيو 2012 عدنا البارحة من حفل الزفاف بعد منتصف الليل، لم أستطع النوم جيداً، وحين غفوت رأيت كثيراً من الأحلام، وبالطبع، كان هو أحدّ أبطالها. ترى ماذا يفعل الآن؟ السبت 2 يونيو 2012 لستُ بمزاجٍ جيّد، لقد أضعت صلاة المغرب اليوم، أشعر بالسوء حيال ذلك. الأحد 3 يونيو 2012     الاثنين 4 يونيو 2012 لم أكتب البارحة، فقد كنت منشغلةً بمساعدة والدتي في تنظيف المنزل. واليوم أمضيت طيلة الوقت وأنا أنتقي ماذا سألبس وماذا سأقول وكيف سأردّ، أعلم بأنّ لقائنا سيكون بعد غدٍ، لكنّني متوترة للغاية، ففي المرّة السابقة شعرتُ بأنّه يلمّح برغبته في الحديث معي بموضوعٍ خاصّ، يا إلهي! عليّ أن أكون مستعدّة. الثلاثاء 5 يونيو 2012 وأخيراً تسلّمنا الرواتب، لقد تأخّرت الشركة في صرفها لهذا الشهر، سأذهب بعد قليلٍ لشراء هاتفٍ ذكّي، إنّه الأوّل بالنسبة لي، لطالما تمنّيت الحصول عليه، سأستطيع من خلاله تصفح الإنترنت، وإجراء محادثاتٍ مع صديقاتي، وتنصيب كثيرٍ من التطبيقات المفيدة. والآن إلى متجر الهواتف الذكية.. الأربعاء 6 يونيو 2012     الخميس 7 يونيو 2012     الجمعة 8 يونيو 2012     السبت 9 يونيو 2012     الأحد 10 يونيو 2012     الإثنين 11 يونيو 2012     2013 2014 2015 2016 2017 2018 2019 2020 2021 2022 2023 2024 ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي

قصص قصيرة

طوابق

في مدخل المبنى الكبير في مركز المدينة، استقلّت السيدة نجاة المصعد وطلبت الطابق العاشر، هناك حيث عيادة الطبيب، وقبل أن يغلق المصعد بابه دخلت سمية المصعد وألقت السلام، فردّت السيدة نجاة بلطفٍ، بينما ظلّ الرجل الواقف بجانب السيدة نجاة صامتاً. طلبت سمية الطابق العشرين، وبدأت رحلة الصعود. تحرّك المصعد قرابة الخمس طوابق وبعدها أصدر صوتاً غريباً وتوقّف في مكانه! بدا القلق جليّاً على وجه السيدة نجاة، فحاولت سمية طمأنتها، وقالت: لا بد وأنّه عطلٌ بسيط، لا تقلقي يا خالة. ردّت السيدة نجاة: وهل سننتظر طويلاً هنا؟ أجابتها سميّة: دعيني أتواصل مع الموظف المسؤول وأعلمه بما حصل معنا. وبالفعل، تواصلت سميّة مع الموظف من خلال لوحة المصعد وأخبرته بما حدث، ليردّ الموظّف بدوره ويخبرها بأنّه سيرسل طاقماً لحلّ المشكلة بأسرع ما يمكن. وبعد انتظار خمس دقائق، قالت السيدة نجاة: أرجو ألا يتأخروا، لديّ موعدٌ عند الطبيب. أجابتها سميّة: سيصلون قريباً، لا عليكِ. أتعتقدين ذلك بالفعل؟ نعم، هم لا يتأخرون بالعادة. هل يتعطّل هذا المصعد بشكلٍ متكرر؟ لا أعلم، فهذه المرّة الأولى التي أتواجد فيها هنا. آه فهمت. لم أنتِ لوحدك يا بنيتي؟ قد تحدث أمور خطيرة، أترين؟ ها نحن عالقون في المصعد ولا ندري متى سنخرج! ابتسمت سمية، فأكملت السيدة نجاة أسئلتها: هل لديكِ موعدٌ عند الطبيب؟ لا، أتيت قاصدةً محل الزينة. تعلمين هذا المبنى كبير، وهناك محالٌ تجاريّة في الطابق العشرين. آه جميل، وهل الزينة لحفلة خطوبتك؟ ضحكت الفتاة ثمّ أجابتها: لا أزال صغيرةً على الارتباط، وأحتاج الزينة لحفلة عيد ميلادي في الأسبوع القادم. أتمنى لك عاماً سعيداً يا… اسمي سمية. اسمٌ جميل، وأنا اسمي نجاة، وينادونني أم عزمي. ابتسمت الفتاة، ثمّ ساد الصمت، وبعد مرور ربع ساعة، قالت السيدة نجاة للفتاة: هلّا اتصلتِ بوالدك، كي يطلب المساعدة من أناسٍ آخرين، يبدو ألا فائدة من هذا الطاقم. بودي لو ألبّي طلبك يا خالة، لكنّي لا أعرف رقم والدي للأسف. أوه آسفة يا بنيتي، أهو مسافر؟ في الحقيقة لا أعلم. نظرت السيدة نجاة باستغرابٍ نحو الفتاة، كما لو أنّها تحتاج لتوضيحٍ أكثر، لكن في تلك اللحظة تحرّك المصعد، وأكمل طريقه. وعند الطابق السابع توقّف المصعد فخرج الرجل الذي يقف بجانب السيدة نجاة، بينما أكملت السيدة والفتاة طريقهما نحو الطوابق العليا. توجّه الرجل نحو مكتبٍ للمحاماة في ذلك الطابق، طرق الباب ودخل بعد أن نزع السماعة التي كانت على أذنه، ثمّ سأل السكرتيرة: هل الأستاذ فاروق في الداخل، لديّ موعد معه؟ نعم هو بالداخل ينتظرك منذ نصف ساعة، لعلّك كنت عالقاً في المصعد الذي تعطّل؟ أكانت نصف ساعةٍ حقاً؟ ظننتها بضع دقائقٍ فحسب، يبدو أنّ نشرة الأخبار شغلتني فلم أشعر بالوقت. لا عليك، تفضّل إلى المكتب، فالأستاذ فاروق بانتظارك. دخل الرجل، وبعدما ألقى السلام فتح حقيبته وأخرج منها أوراقاً. استلمها الأستاذ فاروق ثمّ قال: بعد أسبوعٍ من الآن، ستصبح ابنتك في سنٍّ قانونية، ويحقّ لها أن تراكَ وتقابلكَ متى شاءت. ابتسم الرجل ابتسامةً حزينة، فقال له السيد فاروق: سيلتمّ شملك قريباً مع ابنتك، ويوماً ما ستعثر على والدتك، أنا متأكدٌ من ذلك يا سيد عزمي! ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي

Scroll to Top